أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
349
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
قد ذهب بعضهم إلى أنه لا يعمل ، فإن وجد بعده منصوب أو مرفوع قدر له عاملا ، وأما قوله : في تقدير الانفصال فليس كذلك ، إلّا أن تكون إضافته غير محضة ، كما قال به ابن الطراوة ، وابن برهان ومذهبهما فاسد ، لأن هذا المصدر قد نعت وأكد بالمعرفة . وقوله : لا تعمل إلى آخره ناقصة لقوله : وقد جاء عاملا إلى آخره . قلت : فغاية ما في هذا أنه نحا إلى أقوال قال بها غيره . وأما المناقضة فليست صحيحة ، لأنه عنى أولا أنه لا يعمل في السعة ، وثانيا ، أنه قد جاء عاملا في الضرورة . ولذلك قيّده فقال : قال الشاعر . قوله : وَلا يَسْتَطِيعُونَ يجوز في الجملة وجهان : العطف على صلة « ما » والإخبار عنهم بنفي الاستطاعة على سبيل الاستئناف ، ويكون قد جمع الضمير العائد على « ما » باعتباره معناها ، إذ المراد بذلك آلهتهم ، ويجوز أن يكون الضمير عائدا على العابدين . [ سورة النحل ( 16 ) : الآيات 75 إلى 78 ] ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً عَبْداً مَمْلُوكاً لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْناهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 75 ) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلَيْنِ أَحَدُهُما أَبْكَمُ لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 76 ) وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما أَمْرُ السَّاعَةِ إِلاَّ كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 77 ) وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 78 ) قوله : وَمَنْ رَزَقْناهُ . يجوز في « مَنْ » هذه أن تكون موصولة ، وأن تكون موصوفة ، واختاره الزمخشري ، قال : « كأنه قيل : وحرا رزقناه ، ليطابق « عَبْداً » ومحلها النصب عطفا على « عَبْداً » ، وقد تقدم الكلام في المثل الواقع بعد « ضَرَبَ » . قوله : سِرًّا وَجَهْراً يجوز أن يكون منصوبا على المصدر ، أي : انفاق سر وجهر ، ويجوز أن يكون حالا . قوله : هَلْ يَسْتَوُونَ إنما جمع الضمير ، وأن تقدمه اثنان ، لأن المراد جنس العبيد والأحرار المدلول عليهما ، ب « عبد » وب « مَنْ رَزَقْناهُ » ، وقيل : على الأغنياء والفقراء المدلول عليهما أيضا ، وقيل : اعتبارا بمعنى « مَنْ » ، فإن معناها جمع ، راعى معناها بعد أن راعى لفظها . قوله : وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ . حذف مفعول العلم اختصارا أو اقتصارا . والكلّ : الثّقل ، والكلّ : العيال ، والجمع كلول ، والكلّ من لا ولد له ، والكلّ أيضا اليتيم سمّي بذلك لثقله على كافله ، قال : 3035 - أكول لمال الكلّ قبل شبابه * إذا كان عظم الكلّ غير شديد « 1 » قوله : أَيْنَما يُوَجِّهْهُ لا يَأْتِ بِخَيْرٍ .
--> ( 1 ) البيت من شواهد البحر ( 5 / 518 ) ، القرطبي ( 10 / 149 ) ، التهذيب كل ( 9 / 446 ) .